مركز الثقافة والمعارف القرآنية
129
علوم القرآن عند المفسرين
المنتظمة المسموعة . أما إن كلامه تعالى هو هذه الحروف فلقوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ « 1 » ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف . وأما أنها قديمة ، فلأن الكلام صفة اللّه تعالى ، ومن المحال قيام الحادث بالقديم . وأيضا كل حادث متغيّر والتغيّر على ذات اللّه تعالى وصفاته محال . وزعم قوم أن الكلام المؤلف من الحروف والأصوات يمتنع أن يكون قديما بالبديهة ، وكيف لا وأنّها أصوات تحدث عن قارئها شيئا بعد شئ . فلو قلنا إنها عين كلام اللّه تعالى لزمنا القول بأنّ الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات اللّه تعالى ، وحالّة في بدن هذا الإنسان وهذا معلوم الفساد . وجمع قوم بين المذهبين ، فقالوا للشيء وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في العبارة ، ووجود في الكتابة . فللقرآن وجود عيني ، وهو القائم بذات اللّه تعالى وأنه قديم لا محالة لا يتطرق إليه شئ من سمات النقص . ووجود ذهني ، كالحفاظ للقرآن . ووجود في العبارة ، وهو على لسان القارئ . ووجود كتابي ، وهو المثبت في المصاحف . ولا ريب أن القرآن من حيثيات هذه الموجودات حادث ، بل القرآن إنما يطلق على المحفوظ والمتلو والمكتوب بالمجاز من حيث أنها دالة على الكلام القائم بذات اللّه تعالى . واعلم أنه لا برهان على أن كل صوت بأنه يقوم بجسم ، ولا على أنّ كلّ حرف يقدر عليه ذو جارحة ، بل لعل ذلك في الشاهد فقط ؛ فالكلام للقديم كمال قديم ، نطق وسمع وبصر ولا آلة ، ولا جارحة ؛ كما أنه أدرك وعلم من غير ما قوى وعضو ، ومن لم يدركه كما ينبغي لم يدرك إدراكه كما ينبغي فلا يلومنّ إلا نفسه . كلامه كتاب ، وكتابه صواب ، وقوله فصل ، وحكمه عدل ، ونوره ظهور ، ووجوده شهود ، وعيانه بيان ، والكفر بما سواه إيمان كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 2 » » « 3 » . قال الآلوسي في تحقيق معنى ان القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق : « اعلم أن هذه المسألة من أمهات المسائل الدينية والمباحث الكلامية كم زلت فيها
--> ( 1 ) سورة التّوبة : الآية 6 . ( 2 ) سورة الرحمن : الآية 26 . ( 3 ) غرائب القرآن ج 1 ص 49 - 50 .